مقالات عن البلوك تشينAugust 23, 2021by MahmuodAlshareef2صراع المال التقليدي والعملات الرقمية “شرحٌ وافٍ لحسم نتيجة المعركة”

انبثقت فكرة المال في أذهان الناس حينما اضطروا للتوافق على شيء معين يقبله الجميع في معاملاتهم بدلًا عن مبدأ المقايضة القديم. فيمكنك أخذ خضار مني مقابل شيء أستطيع حفظه عندي إلى وقت حاجتي لشراء شيء آخر من غيرك، دون أن أضطر لأقايضك.

فاستخدم الناس الشعير والتمر وأصداف اللؤلؤ والذهب والفضة وغير ذلك مما كان يعتبر ذا قيمة حينها.

وبهذا نحصل على تعريف المال وهو أي شيء مقبول من قبل العامة كأداة للشراء والبيع ورد الديون.

ما قبل عهد المال:
” لقد أعجبني فأسك هذا، هل تعطيني إياه مقابل مثقالين من الشعير؟

هل تمزح معي إنه فأس عظيم ونادر، لا أعطيك إياه إلا مقابل بقرتك.

حسنا قبلت، إنه يستحق! “.

لو كنت تعيش قبل آلاف السنين فربما ستكون أنت من يجري هذه المحادثة في سبيل حصولك على الفأس الذي أعجبك جدا؛ حينما كان الناس يتعاملون بمبدأ المقايضة.

ولكن مع مرور الزمن اضطر الناس للبحث عن وسيلة أسهل لأنه من الصعب أن يتوفر عندك ما أريد ويتوفر عندي ما تريد في سبيل المقايضة، فكان المال هو الحل.

وظائف المال
سواءً كان المال صدف اللؤلؤ أو الشعير أو الذهب فيجب أن يحتوي على ثلاث ميزات حتى يقبله الناس مالاً: وسيلة للتبادل (طريقة دفع)، وحدة للحساب ومعيار للقيمة، ومخزن للثورة.

الوظيفة الأولى: وسيلة تبادل
الغرض الرئيسي للمال هو الدفع مقابل البضائع أو الخدمات التي تشتريها وهذا ما يُطلق عليه الاقتصاديون (وسيلة تبادل – Medium of Exchange ). والمال بهذا الاعتبار يسهل حياة الناس ويدعم كفاءة الاقتصاد عن طريق اختصار وقت عملية الدفع.

تخيل بلداً مازال يقوم بالتعامل بنظام المقايضة، ودعنا نرى حال أستاذ الاقتصاد ـ محمد ـ فيها؛

محمد يريد أن يشتري من عند البقّال احتياجات بيته ولكن يجب أن يبحث عن بقّال مهتم بتعلم الاقتصاد، لأن القيمة التي يملكها والخدمة التي سيتمكن من عرضها متعلقة باختصاصه فقط.

وكما ستخمن سيكون هذا البحث صعبًا ومستغرقًا للوقت، وقد يضطر للاستقالة ليجد عملا آخر يأخذ منه ما يقبل به البقّال وغيره، وإلى ذلك الحين قد يتضور جوعا حتى الموت.

هذا الوقت المستغرق في الدفع مقابل شيءٍ ما يسمى (كلفة التبادل – Transaction cost).

بينما لو أعطينا محمد المال مقابل تدريسه الاقتصاد في الجامعة فسيستطيع أن يفيد غيره وبنفس الوقت سيشتري أي شيء يحب من أي مكان دون تَكلف عناء البحث عن بقّالٍ محب للاقتصاد!

وكما رأينا فقد زادت كفاءة الاقتصاد من ناحية تقليص الوقت المطلوب لتبادل البضائع والخدمات، ومن ناحية الإتاحة لكل شخص إمكانية التخصص فيما يحب.

الوظيفة الثانية: وحدة للحساب ومعيار للقيمة
الوظيفة الثانية للمال هي حساب القيمة

أي نعده وحدةً لحساب قيمة بضاعة أو خدمة، تمامًا كما نعدُّ الكيلوجرام وحدةً لقياس الوزن لشيءٍ ما.

وتستطيع فهم أهمية ذلك من خلال تخيل كيف ستكون محاولة التوصل لاتفاق في نظام المقايضة بين الأستاذ محمد والبقّال في المثال السابق وحساب قيمة بضاعة البقّال بالنسبة لمحاضرة محمد.

الوظيفة الثالثة: مخزن للثروة
الوظيفة الثالثة للمال هي حفظ القيمة لديك إلى أن تود صرفها لأن معظمنا لا يود إنفاق المال الذي يكسب فوراً.

وفي هذه الوظيفة فهي تشترك مع غيرها من الأصول كالبيوت والسندات وغيرها

ولكنها تتميز بأنها أمرنهم سيولةً؛ ويقصد الاقتصاديون بهذا أن تحويلها لوسيلة تبادل سهل جدا وأسرع من باقي الأصول.

فمجردُ وجوده بيدك يمكنك من شراء ما تريد فورًا دون الاضطرار لتحويله إلى نقد وبهذا القيد تخرج الأصول كالبيت والسيارة وحتى الذهب أيضا عن كونهم مالاً!

ولكن دعنا نخبرك بأمر بخصوص تخزين المال؛ مالُك الذي تحتفظ به يخسر من قيمته كل يوم، والليرة التي خبأتها اليوم لن تساوي نفس قيمتها بعد سنة ( نحن نتحدث عن خسارة ٢٪ تقريبا من قيمة المال إن كنت في بلد يتمتع باقتصاد مستقر، وعن خسارة أكبر في البلدان التي تعاني من تضخم متزايد).

إذن هل من الممكن أن يصبح البتكوين وأخواته عملة المستقبل؟
مرَّ العالم بأشكال كثيرة من المال، بدايةً بالمقايضة مرورًا بالمال بأنواعه إلى أن يتخذ شكله المعدني ثم الورقي

ثم الدفع عبر الانترنت ثم الدفع عبر بطاقة الائتمان والكريدت، وأخيرا العملات الرقمية التي ظهرت بادئ الأمر مع البتكوين عام ٢٠٠٩ على يد مبرمجين يطلقون على أنفسهم ساتوشي ناكاماتو.

لا تخضع العملات الرقمية لجهة مركزية تعتمد إصدارها، وإنما تشبه الذهب في استخراجها، وتسمى عملية استخراجها التعدين “Mining”.

فالبتكوين تعمل كشبكةِ الند للند المكونة من مجموعة من الأجهزة التي تتعاون فيما بينها لإنتاج البتكوين، وبالتالي فإن كل شخص يستخدم البتكوين يمثل جزءًا صغيرًا من بنك البتكوين.

ويطلق على منتجي العملات الرقمية، اسم “miners” أو “المعدنون”، الذين يكون عملهم كله باستخدام الحواسيب، وبرامج معينة لحل المسائل الرياضية، وإصدار عدد معين من عملة البتكوين من أجل تداوله.

ونعود لسؤالنا؛ هل سيصبح البتكوين عملة المستقبل؟

كما اتفقنا يجب أن نبني إجابتنا عن هذا السؤال على وظائف المال ـ المذكورة أعلاه ـ التي اتفق الاقتصاديون والعالم على شرط تواجدها في المال حتى يصبح عملة رسمية مقبولة من الجميع.

نرى أن البتكوين يحقق الوظيفة الأولى ـوسيلة تبادل ـ بشكل ممتاز؛ حيث أن لديه ميزات تجعله جذابا لأولاء الذين يريدون تحويل المال؛ رخص الأجور والسرعة العالية في التحويل والتحويل بدون الكشف عن الهوية.

لكن مع ذلك فإنه لا يحقق الوظيفتين الأخريين بشكل جيد ـ وحدة حساب و مخزن للثروة ـ حيث أن سعره متذبذب بشكل كبير؛ ففي عام ٢٠١١ كان سعر القطعة الواحدة تتراوح بين ٣٠ سنت و٣٢$، ثم وصل في العاشر من ابريل عام ٢٠١٣ إلى ٢٥٥$

ثم هبط مجددا في السابع عشر من نفس الشهر إلى ٥٥$، ثم صعد مجددا في الثلاثين من نوفمبر من نفس العام إلى ١١٢٥$، وهبط مرة أخرى إلى حدود ٢٠٠$ مع حلول عام ٢٠١٥، وصعود آخر في ٢٠١٧ إلى ٢.٥٠٠$.

وشهدنا أمس هبوطها إلى حوالي ٣٨.٠٠٠$ بعد وصولها لحوالي ٦٠.٠٠٠$ في الشهور الماضية. عدم الاستقرار المرعب هذا يعني أنه غير جيد أبدا كمخزن للثروة؛ فهو خطر جدا. وبسبب عدم استقراره فإنه من الصعب أن يعتمد كوحدة للحساب.

وفعليا فستجد أن الشركات التي تقبل البتكوين مقابل عملاتها تعد على أصابع اليدين، ومؤخرا علقت شركة تسلا قبول هذه العملة مقابل سيارتها.

مع أن البتكوين خرج من كونه متداولا بشكل أكبر من قبل المتاجرين بالممنوعات، ولكنه مازال يعاني من مشاكل قانونية في بعض البلدان.

بناءً على كل هذا فإن فَهمَنا للمال وطبيعته تخبرنا أنه من غير الممكن أن يكون البتكوين عملة المستقبل، ومع ذلك يمكن أن يستفاد من بعض تقنياته في عملية التحويل.

Share

2 comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *